|
رحلة في بلدي شوق أبو حصيرة غزة قد يتوارى المعنى خلف زخرف الكلام, أو قد ترحل الذاكرة في قطار النسيان, لكن وحده الشعور لا يغيب ولا يرحل, وهذا ما أؤكده لكم فشعوري بالفرح منذ أن دخلت لأكثر من مدينة فلسطينية على مدار خمسة أيام متتالية لا يفارقني. كنت مدعوة مع مؤسستي الغالية الهيئة الفلسطينية للإعلام وتفعيل دور الشباب بيالارا لحضور مؤتمر حول معالجة العنف بأساليب لاعنفية وأتيحت لي الفرصة من قبل والدي لأن أذهب إلى مدينة رام الله للمشاركة وقدمت التصاريح لي ولبقية زملائي الخمسة المدعويين, وبعد عشرة أيام تم قبول التصاريح لي ولثلاثة آخرين, بالطبع كنا نرغب أن نذهب سوياً كما كنا نحلم ونخطط ولكن للأسف لم تتسنى الفرصة من قبل الجانب الإسرائيلي لهذه الأحلام, لقد كانت المشاركة في المؤتمر ناجحة لكن أحدثكم عن المؤتمر فأنا أرغب أن أحدثكم عن بلدنا فلسطين وتحديداً المدن التي زرتها وزملائي من هذه المدن والذين كانوا معي من مدينة غزة, في اليوم الأول برفقة الزميل علاء الدين حلايقة تجولنا في المدينتين التوأم رام الله والبيرة اللتان تقعان وسط السلسلة الجبلية الوسطى في فلسطين، وبالتحديد على خط تقسيم المياه الفاصل بين غور الأردن والسهل الساحلي الفلسطيني, وخلال الجولة مررنا بجانب مقر المقاطعة فطلبت الذهاب لقراءة الفاتحة على ضريح الشهيد الخالد في قلوبنا جميعاً القائد الرمز ياسر عرفات, وفعلاً هذا ما قمت به. أما في اليوم الثاني وبرفقة الزميلتين رانيا عطاالله, وإيمان الشرباتي فكانت الرحلة إلى زهرة المدائن إلى أرض الإسراء والمعراج, أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين, مسرح النبوات وموضع أنظار البشر منذ أقدم العصور, إنها القدس العاصمة الأبدية لدولتنا فلسطين, لطالما كنت أحلم بزيارتها والصلاة في المسجد الأقصى بقبته الذهبية المشرقة الساطعة كأشعة الشمس, نعم القدس التي تقع في وسط فلسطين تقريبا إلى الشرق من البحر المتوسط على سلسلة جبال ذات سفوح تميل إلى الغرب وإلى الشرق, والتي يرجع تاريخها لأكثر من ثلاثين قرناً قبل الميلاد, وصلنا إلى مدينة القدس ودخلنا إلى المسجد الأقصى من ساحة باب العامود, أتعرفون كنت في هذا اليوم قد اتفقت مع خالاتي لنلتقي في القدس فهما تذهبان إلى هناك كل يوم أربعاء, إنهما تسكنان في مدينة يافا عروس البحر الأبيض المتوسط ولم أراهما منذ سنوات عدة بسبب صعوبة الوصول إلى مدينة غزة, لا أصف لكم شعوري أنا في مدينة القدس وفي أحضان خالاتي عيناي اغرورقت بالدموع من شدة الفرح تجولنا جميعا في المكان الرائع ولم أصدق نفسي لحظة وصولي للمسجد الأقصى, أيضاً في مساء ذات اليوم قمنا بزيارة زميلتنا منية دويك في بيت حنينا سررت برؤيتها وبرؤية طفلتها الجميلة الناعمة ياسمين وتناولنا في بيتها طعام العشاء الذي كان لذيذاً مع زملائنا البيالاريين.ً وفي اليوم الثالث وبرفقة الزميلة ندين علي ذهبنا إلى مدينة بيت لحم مهد المسيح عيسى عليه السلام, التي تقع بين مدينتي الخليل والقدس, تجولنا بشوارع المدينة وقمنا بزيارة كنيسة المهد بأضوائها وشموعها المنيرة في كل ركن وزاوية, شاهدنا مهد المسيح والصور الجميلة للعذراء مريم وابنها عيسى عليه السلام, وتناولنا طعام العشاء اللذيذ في بيتها الكائن في بيت صفافا وشاهدنا من شرفة بيتها منظر في غاية الروعة المدينة بأضوائها البراقة. أما في اليوم الرابع فكانت زيارتنا برفقة الزميل رامي خوالدة لمدينة أريحا التي تقع في الطرف الغربي لغور الأردن أو ما يعرف بغور أريحا, تناولنا طعام الغذاء اللذيذ في بيته ومن ثم اصطحبنا في جولة لزيارة الأماكن التاريخية في المدينة, لا أصف لكم جمال أريحا فلو وصفتها مراراً وتكراراً لن أوفيها حقها فهذه أريحا أقدم مدن التاريخ, شعرت بالبرد في كل المدن الفلسطينية التي زرتها إلا في أريحا الدفء فيها جميل فهذا هو مناخها دافئ في الشتاء نظراً لانخفاضها تحت مستوى سطح البحر, وفي أريحا زرت أشهر معالمها التاريخية المتمثلة في تل عين السلطان وهي نبع ماء قديم جداً يبعد عن أريحا مسافة كيلو مترين هذه العين لتي تغذي المنطقة بالمياه للزراعة والاستخدام وقد شربت من مياهها الجارية وكم كانت لذيذة, كما زرت قصر هشام الأثري وهو قصر عربي رائع بناه هشام بن عبد الملك, وزرنا دير قرنطل أو جبل الأربعين: تأسس هذا الدير على يد الارشمندريت افراميوس سنة 1892 وهذا المكان قديم منذ زمن السيد المسيح ، وقد جدد عدة مرات, ولكي نصل إليه ركبنا التل فريك وكنا في غاية السعادة, تعني كلمة أريحا الكثير من المعاني منها مدينة القمر, الأريج والرائحة, مدينة النخيل, حديقة السماء, أتعرفون؟ كل هذه المعاني وأكتر تليق في جمال أريحا وسحرها. أما في اليوم الخامس, لا أصف لكم هذا اليوم قضيناه في رام الله كان أقصر يوم في حياتي وحياة زملائي مر بسرعة لأننا سنعود إلى غزة كنا بلهفة إلى أهلنا وأصدقائنا وكنا في حنين إلى المدن التي زرناها قبل أن نخرج منها, المهم في هذا ذهبنا برفقة الزميلة ربا الميمي لزيارة جامعة بير زيت في رام الله وتجولنا في ساحاتها ومبانيها الجميلة, إنها جامعة جميلة ببنائها والطبيعة الخلابة من حولها المشهد بحد ذاته يجعلني مرتاحة نفسياً لاستقبال يوم دراسي مفعم بالتفوق والنجاح, ومن بعدها ذهبنا في جولة إلى السوق طبعاً لشراء بعض الهدايا المميزة, وعدنا إلى مكتب بيالارا رام الله لنحتفل بعيد ميلاد زميلتنا ميرا أبو الهنود, ميرا كانت معي من مدينة غزة ولكن زملائنا في المكتب برام الله حضروا لها هذه المفاجئة بعد أن أعلمتهم أن هذا اليوم هو يوم ميلادها ودقت الساعة لتكون الثالثة والنصف عصراً ليقرع الجرس ويكون السائق الذي سيرجعنا إلى مدينة غزة هو الذي قرعه, وشعرنا وقتها بلحظة الفراق عن زملائنا الذين أحببناهم ونأمل أن يكونوا قد شاطرونا ذات الشعور. أود أن أخبركم أن الرحلة بكل جمالها كان شيء فقط هو من يجعلنا نشعر بغصة في القلب إنها الحواجز الإسرائيلية التي تفرقنا وتبعدنا ونحن في بلدنا الجميلة, في البداية حتى ندخل من غزة إلى رام الله يصادفنا معبر بيت حانون " إيريز " وفي رام الله حتى نتنقل بين المدن القدس وبيت لحم والرام لابد أن نمر من خلال حاجز أصبح كمعبر إيريز إنه حاجز قلنديا, لنتخيل مدى هذه المعاناة إنهم في منطقة واحدة وليذهبوا إلى أعمالهم وأماكن دراستهم لا بد وأن يمروا عبر حاجز قلنديا, طبعا عدا جدار الفصل العنصري بطوله وعرضه والذي يفصل بين المدن والقرى, بين الطالب والمدرسة أو الجامعة, وبين الأب وابنه, والفلاح وأرضه, ويكفي أن نرى جنود الاحتلال وهم يدخلون ويخرجون ويجتاحون كلما يروق لهم. أشكر زملائي جميعا في مكتب بيالارا رام الله وعلى رأسهم مديرتي الرائعة هانيا البيطار التي أتاحت لنا هذه الفرصة المميزة التي أتمناها للباقين من زملائي في مدينة غزة وأضعف الإيمان أن أدعو لهم بسلامة الوصول وسهولة الطريق, على أمل التواصل مع زملائنا باستمرار. كم هي جميلة بلادنا بأرضها وسمائها ومناخها وطبيعتها الجميلة, وأتمنى أن يوفقنا الله ليعم السلام علينا ولننعم بجمال فلسطين وأرضها المقدسة ونصلي معاً في المسجد الأقصى, كما أتمنى أن يزور زملائنا في مكتب بيالارا رام الله مدينة غزة لنصطحبهم إلى البحر وإلى الأماكن الأثرية التي تشتهر بها مدينة غزة ولنراهم أيضاً ونستمتع برفقتهم مرة أخرى.
|