قادة فلسطينيون يافعون

 
من خلال النوافذ الزجاجية ذات الإطلالة الواسعة لمكتب تغمره الشمس، يصوب يافعون فلسطينيون ويافعات فلسطينيات أنظارهم على أحد تقاطعات الطرق الرئيسية على مقربة من القدس. إنهم يرقبون حركة السير المزدحمة وهي تشق طريقها، ويتأملون في أمور حياتهم. لقد وصلوا مرحلة لا بد لهم فيها من الاختيار. فهناك أساليب حياة يقتضي اتباعها، ومهارات يجب تعلمها، ومستقبل لا مفر من التخطيط له.

لقد حضروا إلى هنا- إلى الهيئة الفلسطينية للإعلام وتفعيل دور الشباب (بيالارا- وهي الكلمة المشكلة من الحروف الأولى لاسم الهيئة بالإنجليزية)- للانضمام إلى آخرين يواجهون مهمة اتخاذ قرارات مشابهة، والسعي وراء قسط من الهدوء تخلصاً من أهوال الصراع. وفي وقت يعبر فيه العديد من اليافعين الفلسطينيين عن مخاوف من أنه لم يعد هناك شيء يخسرونه، وبأنهم لا يرون أي سبب للعيش أو العمل أو الدراسة، وبأنهم يشعرون بأن لا حول لهم ولا قوة، ولا صوت لهم، فإن الهيئة الفلسطينية للقيادة وتفعيل دور الشباب تقدم بديلاً لذلك، حيث أنها استقطبت زهاء 150 شاباً وشابة تتراوح أعمارهم بين 14 و 22 سنة، وذلك بدعم من اليونيسف ومؤسسة كورديد (الهولندية)، ومؤسسة فريدريش ناومان الألمانية (القدس)، والاتحاد الأوروبي، ومؤسسة الشرق الأوسط للسلام وغيرها. وتقول هانيا البيطار، المديرة العامة للهيئة "نحن لا نهدف إلى تحويل اليافعين عما يعتقدون به" لكننا لا ندخر وسعاً في إيجاد مخرج ليافعينا. وأضافت تقول: يرى نعوم تشومسكي أن أكثر ما يحتاج إليه الإنسان هو الإبداع وليس شدة الحرص على الكسب. ونحن نهدف إلى جعل الأعضاء اليافعين لدينا يقومون بدور نشط في خدمة دولتهم والتعبير عن حبهم ووطنيتهم بأسلوب خلاق بناء. وتؤكد بيالارا على التمكين من خلال الاتصال والمهارات الإعلامية، وعقد ورش العمل باستمرارحول القيادة وحقوق الأطفال وتضامن الأقران، وتقديم النصح والإرشاد. وكأحد المشروعات المتعددة لخدمة المجتمع المحلي، فإنها تدعم الصحفيين الطلبة الذي يصدرون صحيفة الـ"يوث تايمز"، الصحيفة الشبابية الأولى والوحيدة في المناطق الفلسطينية. وتصدر هذه الصحيفة الشهرية التي خرجت إلى الوجود عام 1998، بصفحاتها الست عشرة بالعربية والإنجليزية، ويبلغ حجم توزيعها 7000 نسخة، ويقوم الطلبة، بتدريب وتوجيه من العاملين والمتطوعين، بإعداد هذه الصحيفة الدورية ابتداء من الأفكار فالوضوعات والتقارير، وانتهاء بالإنتاج النهائي. ومع إقامة موقع حديث التصميم لها على شبكة الإنترنت www.pyalara.org أصبحت الصحيفة الآن متوفرة للقراء في أرجاء العالم.
 
وقد قدم أكثر من 2000 من اليافعين الفلسطينيين ما خطته أقلامهم إلى "بيالارا" بحيث وصلت إلى أيدي القراء على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي. وفي عالم صحافة يسيطر فيه الراشدون على أعلى الأنغام، تحاول أقلام الكتاب الفلسطينيين اليافعين وأصواتهم اللعب على الأوتار المناسبة. ويعد الصحفيون في هذا العام كتاباً ذا عنوان عملي هو "أصوات يافعة من فلسطين" يقدمون للعالم فيه أول روايات مباشرة من مصادرها، تحكي قصص حياة اليافعين الفلسطينيين.

غير أن هؤلاء اليافعين أكثر من مجرد صحفيين. إنهم قادة فلسطينيون يافعون. وإدراكاً من الهيئة للضريبة الجسدية والنفسية التي يفرضها الوضع السياسي فقد أطلقت "بيالارا" مشروعا جديداً للوصول إلى القراء اسمه "نحن نهتم" ويقوم هذا البرنامج بتدريب طلاب المرحلة الجامعية على تقديم الإرشاد الفردي والجماعي، ومساعدة الشباب على مد يد العون للشباب من أقرانهم. ومع استعدادهم لتقديم المساعدة ينجح هؤلاء الشباب، في خاتمة المطاف، برفع معنويات أقرانهم عن طريق التنفيس عن توترهم، ومناقشة مشكلاتهم النفسية والعاطفية وغيرها، وتقديم الحلول الملموسة.

وعندما كانت رام الله تتعرض للقصف قبل يومين ضممت شقيقتي الصغيرة إلي بقوة.. وأقفلت أذنيها بيدي.. لم أرغب في أن تسمع" صوت إطلاق النار وقصف القنايل.. وقد أخفقت.. فقد تركتني وركضت نحو والدتي، التي كانت هي الأخرى تبكي بصورة هستيرية ويغمرها شعور بالعجز"، هذا ما قالته ديمة، فتاة الثامنة عشرة، وطالبة السنة الأولى في جامعة بير زيت.

وقال سليم حبش من رام الله، وعمره 18 سنة، وأحد الشباب المؤسسين لـ "بيالار": "في بيالارا يتخذ الأمل شكلا أكثر تحديدا. إننا ندرك إحساسنا بالهدف والانتماء، ونرتب اهتماماتنا واحتياجاتنا حسب الأولوية، ونتعلم كيفية التصرف وفقا لذلك. إننا نكتسب مهارات في مجالات الإعلام والاتصال، ونتعلم كيف ننشر الوعي، ونفتح قنوات مباشرة للحوار مع أقراننا في فلسطين وأماكن أخرى، كما نتعلم أساليب في مد يد العون لأسرنا، وأقراننا ومجتمعنا، وأهم من كل ذلك، أنفسنا".

وقد جاء مشروع (نحن نهتم) بمثابة اختراق، آخذا في الاعتبار الاحتياجات العاطفية للأطفال واليافعين الذين يمرون بمعاناة الاضطراب النفسي الذي يسببه العنف الذي يجتاح حياتهم. وإليك عبارات بعض اليافعين الفلسطينيين: "نحن أطفال الحجارة – كما تدعونا وسائل الإعلام – لم نخلق من الحجارة. إن لنا قلوبا كسيرة، وعيونا تدمع – ليس بالضرورة بسبب الغاز المسيل للدموع! – لقد فقدنا أحباءنا، وتمزق شمل أسرنا، وترك القصف على مدننا وقرانا ومخيماتنا جروحا خلفت ندوبا عميقة، لكن ليس على "الجدران المفتتة وحدها.

وبمعونة من اليونيسف، قررت مجموعة من الوزارات الفلسطينية، والمنظمات غير الحكومية إدخال شيء من البهجة إلى قلوب الأطفال الفلسطينيين بمناسبة يوم الطفل الفلسطيني الذي يوافق الخامس من نيسان، تحت شعار "نريد طفولتنا". وقد قام أعضاء بيالارا اليافعون بتصميم حلقات متلفزة خاصة للأطفال جرى عرضها طيلة شهر نيسان. ووفقا لما صرحت به هانيا البيطار، فإن الرسالة كانت واضحة: "من أجل البقاء والمثابرة والحفاظ على نوعية حياتنا، نحتاج إلى إفساح مكان.

 


[TOP]

© 2005 All rights reserved. PYALARA is a registered trademark.